فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)}
أصل الكنز في اللغة الضم والجمع، ولا يختص بالذهب والفضة.
قال:
لا درّ درّي إنْ أطعمت ضائعهم ** قرف الجثى وعندي البر مكنوز

وقالوا: رجل مكتنز الخلق أي مجتمعه.
وقال الراجز:
على شديد لحمه كناز ** بات ينزيني على أوفاز

ثم غلب استعماله في العرف على المدفون من الذهب والفضة.
لمّا ذكر أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، ذكر ما هو كثير منهم تنقيصًا من شأنهم وتحقيرًا لهم، وأنّ مثل هؤلاء لا ينبغي تعظيمهم، فضلًا عن اتخاذهم أربابًا لما اشتملوا عليه من أكل المال بالباطل، وصدهم عن سبيل الله.
واندرجوا في عموم الذين يكنزون الذهب والفضة، فجمعوا بين الخصلتين المذمومتين: أكل المال بالباطل، وكنز المال إن ضنوا أنْ ينفقوها في سبيل الله، وأكلهم المال بالباطل هو أخذهم من أموال اتباعهم ضرائب باسم الكنائس والبيع، وغير ذلك مما يوهمونهم به أنّ النفقه فيه من الشرع والتقرب إلى الله، وهم يحجبون تلك الأموال كالراهب الذي استخرج سلمان كنزه.
وكما يأخذونه من الرشا في الأحكام، كإيهام حماية دينهم، وصدهم عن سبيل الله هو دين الإسلام واتباع الرسول.
وقيل: الجور في الحكم، ويحتمل أن يكون يصدون متعديًا وهو أبلغ في الذم، ويحتمل أن يكون قاصرًا.
وقرأ الجمهور: والذين بالواو، وهو عام يندرج فيه من يكنز من المسلمين.
وهو مبتدأ ضمن معنى الشرط، ولذلك دخلت الفاء في خبره في قوله: {فبشرهم}.
وقيل: والذين يكنزون من أوصاف الكثير من الأحبار والرهبان.
وروي هذا القول عن عثمان ومعاوية.
وقيل: كلام مبتدأ أراد به مانعي الزكاة من المسلمين، وروي هذا القول عن السدي، والظاهر العموم كما قلناه، فيقرن بين الكانزين من المسلمين، وبين المرتشين من الأحبار والرهبان تغليظًا ودلالة على أنهم سواء في التبشير بالعذاب.
وروي العموم عن أبي ذر وغيره.
وقرأ ابن مصرّف: الذين بغير واو، وهو ظاهر في كونه من أوصاف من تقدم، ويحتمل الاستئناف والعموم.
والظاهر ذمّ من يكنز ولا ينفق في سبيل الله.
وما جاء في ذم من ترك صفراء وبيضاء، وأنه يكوى بها إلى غير ذلك من أحاديث هو قبل أن تفرض الزكاة، والتوعد في الكنز إنما وقع على منع الحقوق منه، فلذلك قال كثير من العلماء: الكنز هو المال الذي لا تؤدّى زكاته وإن كان على وجه الأرض، فأما المال المدفون إذا أخرجت زكاته فليس بكنز.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ما أدّيت زكاته فليس بكنز». وعن عمر أنه قال لرجل باع أرضًا أحرز مالك الذي أخذت أحفر له تحت فراش امرأتك فقال: أليس بكنز، فقال: «ما أدّى زكاته فليس بكنز».
وعن ابن عمر وعكرمة والشعبي والسدّي ومالك وجمهور أهل العلم مثل ذلك.
وقال علي: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما زاد عليها فهو كنز وإن أدّيت زكاته.
وقال أبو ذر وجماعة معه: ما فضل من مال الرجل على حاجة نفسه فهو كنز.
وهذان القولان يقتضيان أنّ الذم في جنس المال، لا في منع الزكاة فقط.
وقال عمر بن عبد العزيز: هي منسوخة بقوله: «خذ من أموالهم صدقة». فأتى فرض الزكاة على هذا كله، كأنّ الآية تضمنت: لا تجمعوا مالًا فتعذبوا، فنسخه التقرير الذي في قوله: {خذ من أموالهم صدقة}، والله تعالى أكرم من أن يجمع على عبده مالًا من جهة أذن له فيها ويؤدّى عنه ما أوجبه عليه فيه ثم يعاقبه وكان كثير من الصحابة رضوان الله عليهم كعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، يقتنون الأموال ويتصرّفون فيها، وما عابهم أحد ممن أعرض عن الفتنة، لأنّ الإعراض اختيار للأفضل والأدخل في الورع والزهد في الدنيا، والإقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه، وما روي عن عليّ كلام في الأفضل.
وقرأ أبو السمال ويحيى بن يعمر: {يكنزون} بضم الياء، وخص بالذكر الذهب والفضة من بين سائر الأموال لأنهما قيم الأموال وأثمانها، وهما لا يكنزان إلا عن فضلة وعن كثرة، وممن كنزهما لم يعدم سائر أجناس الأموال، وكنزهما يدل على ما سواهما.
والضمير في: ولا ينفقونها، عائد على الذهب، لأن تأنيثه أشهر، أو على الفضة.
وحذف المعطوف في هذين القولين أو عليهما باعتبار أن تحتهما أنواعًا، فروعي المعنى كقوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} أو لأنهما محتويان على جمع دنانير ودراهم، أو على المكنوزات، لدلالة يكنزون.
أو على الأموال، أو على النفقة وهي المصدر الدال عليه.
ولا ينفقونها، أو على الزكاة أي: ولا ينفقون زكاة الأموال أقوال.
وقال كثير من المفسرين: عاد على أحدهما كقوله: {وإذ رأوا تجارة أو لهوًا} وليس مثله، لأن هذا عطف بأو، فحكمهما أنّ الضمير يعود على أحد المتعاطفين بخلاف الواو، إلا أن ادّعى أنّ الواو في والفضة بمعنى أو ليمكن، وهو خلاف الظاهر. اهـ.

.قال أبو السعود:

{يأيها الذين آمنوا}
شروعٌ في بيان حال الأحبارِ والرهبانِ في إغوائهم لأراذلهم إثرَ بيانِ سوءِ حالِ الأتباع في اتخاذهم (لهم) أربابًا يُطيعونهم في الأوامر والنواهي واتباعِهم لهم فيما يأتون وما يذرون {إِنَّ كَثِيرًا مّنَ الاحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل} يأخذونها بطريق الرِّشوةِ لتغيير الأحكامِ والشرائعِ والتخفيفِ والمسامحة فيها، وإنما عبِّر عن ذلك بالأكل بناءً على أنه معظمُ الغرَضِ منه وتقبيحًا لحالهم وتنفيرًا للسامعين عنهم {وَيَصُدُّونَ} الناس {عَن سَبِيلِ الله} عن دين الإسلامِ أو عن المسلك المقرَّر في التوراة والإنجيل إلى ما افتَرَوْه وحرَّفوه بأخذ الرشا ويصُدُّون عنه بأنفسهم بأكلهم الأموالَ بالباطل {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} أي يجمعونهما ويحفَظونهما سواءٌ كان ذلك بالدفن أو بوجه آخرَ والموصولُ عبارةٌ إما عن الكثير من الأحبار والرهبانِ فيكون مبالغةً في الوصف بالحِرْص والضّنِّ بهما بعد وصفِهم بما سبق من أخذ الرشا والبراطيلِ في الأباطيل وإما عن المسلمين الكانزين غيرِ المنفقين وهو الأنسبُ بقوله عز وجل: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله} فيكون نظمُهم في قَرْن المرتشين من أهل الكتابِ تغليظًا ودِلالةً على كونهم أسوةً لهم في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم، فالمرادُ بالإنفاق في سبيل الله الزكاةُ لما رُوي أنه لما نزل كبُرَ ذلك على المسلمين فذكر عمرُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله تعالى لم يفرِض الزكاةَ إلا ليُطيِّبَ بها ما بقيَ من أموالكم». ولقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أُدِّي زكاتُه فليس بكنز». أي بكنزٍ أوُعد عليه فإن الوعيدَ عليه مع عدم الإنفاقِ فيما أمر الله بالإنفاق فيه. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَرَكَ صفراءَ أو بيضاءَ كُوي بها». ونحوُه فالمرادُ بها ما لم يؤدِّ حقَّها لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من صاحب ذهبٍ ولا فضة لا يؤدّي منها حقَّها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحَتْ له صفائحُ من نار فيُكوى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه». {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} خبرٌ للموصول والفاءُ لتضمنه معنى الشرطِ ويجوز أن يكون الموصولُ منصوبًا بفعل يفسِّره فبشرهم. اهـ.

.قال الألوسي:

{يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ}
شروع في بيان حال الأحبار والرهبان في إغوائهم لأراذلهم إثر بيان سوء حال الأتباع في اتخاذهم لهم أربابًا، وفي ذلك تنبيه للمؤمنين حتى لا يحوموا حول ذلك الحمى ولذا وجه الخطاب إليهم {إِنَّ كَثِيرًا مّنَ الاحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أموال الناس بالباطل} يأخذونها بالارتشاء لتغيير الأحكام والشرائع والتخفيف والمسامحة فيها، والتعبير عن الأخذ بالأكل مجاز مرسل والعلاقة العلية والمعلولية أو اللازمية والملزومية فإن الأكل ملزوم للأخذ كما قيل.
وجوز أن يكون المراد من الأموال الأطعمة التي تؤكل بها مجازًا مرسلًا ومن ذلك قوله:
يأكلن كل ليلة أكافا

فإنه يريد علفًا يشتري بثمن أكاف.
واختار هذا العلامة الطيبي وهو أحد وجهين ذكرهما الزمخشري، وثانيهما أن يستعار الأكل للأخذ وذلك على ما قرره العلامة أن يشبه حالة أخذهم أموال الناس من غير تمييز بين الحق والباطل وتفرقة بين الحلال والحرام للتهالك على جمع حطامها بحالة منهمك جائع لا يميز بين طعام وطعام في التناول، ثم ادعى أنه لا طائل تحت هذه الاستعارة وأن استشهاده بأخذ الطعام وتناوله سمج، وأجيب بأن الاستشهاد به على أن بين الأخذ والتناول شبهًا وإلا فذاك عكس المقصود، وفائدة الاستعارة المبالغة في أنه أخذ بالباطل لأن الأكل غاية الاستيلاء على الشيء ويصير قوله تعالى: {بالباطل} على هذا زيادة مبالغة ولا كذلك لو قيل يأخذون {وَيَصُدُّونَ} الناس {عَن سَبِيلِ الله} أي دين الإسلام أو عن المسلك المقرر في كتبهم إلى ما افتروه وحرفوه بأخذ الرشا.
ويجوز أن يكون {يَصِدُّونَ} من الصدود على معنى أنهم يعرضون عن سبيل الله فيحرفون ويفترون بأكلهم أموال الناس بالباطل {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} أي يجمعونهما ومنه ناقة كناز اللحم أي مجتمعته، ولا يشترط في الكنز الدفن بل يكفي مطلق الجمع والحفظ، والمراد من الموصول إما الكثير من الأحبار والرهبان لأن الكلام في ذمهم ويكون ذلك مبالغة فيه حيث وصفوا بالحرص بعد وصفهم بما سبق من أخذ البارطيل في الأباطيل وإما المسلمون لجى ذكرهم أيضًا وهو الأنسب بقوله تعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله} لأنه يشعر بأنهم ممن ينفق في سبيله سبحانه لأنه المتبادر من النفي عرفًا فيكون نظمهم في قرن المرتشين من أهل الكتاب تغليظًا ودلالة على كونهم أسوة لهم في استحقاق البشارة بالعذاب، واختار بعض المحققين حمله على العموم ويدخل فيه الأحبار والرهبان دخولًا أوليًا، وفسر غير واحد الإنفاق في سبيل الله بالزكاة لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أنا أفرج عنكم فانطلق فقال: يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم.
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أدى زكاته فليس بكنز». أي بكنز أوعد عليه فإن الوعيد عليه مع عدم الإنفاق فيما أمر الله تعالى أن ينفق فيه، ولا يعارض ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها». لأن المراد بذلك ما لم يؤد حقه كما يرشد إليه ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوي بها جنبه وجبينه». وقيل: إنه كان قبل أن تفرض الزكاة وعليه حمل ما رواه الطبراني عن أبي أمامة قال توفي رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال النبي صلى الله عليه وسلم كية ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة والسلام كيتان، وقيل: بل هذا لأن الرجلين أظهرا الفقر ومزيد الحاجة بانتظامهما في سلك أهل الصفة الذين هم بتلك الصفة مع أن عندهما ما عندهما فكان جزاؤهما الكية والكيتين لذلك، وأخذ بظاهر الآية فأوجب إنفاق جميع المال الفاضل عن الحاجة أبو ذر رضي الله تعالى عنه وجرى بينه لذلك وبين معاوية رضي الله عنه في الشام ما شكاه له إلى عثمان رضي الله تعالى عنه في المدينة فاستدعاه إليها فرآه مصرًا على ذلك حتى إن كعب الأحبار رضي الله عنه قال له: يا أبا ذر أن الملة الحنيفية أسهل الملل وأعدلها وحيث لم يجب إنفاق كل المال في الملة اليهودية وهي أضيق الملل وأشدها كيف يجب فيها فغضب رضي الله تعالى عنه وكانت فيه حدة وهي التي دعته إلى تعيير بلال رضي الله عنه بأمه وشكايته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله فيه: «إِنَّكَ امرؤ فِيكَ جَاهِلِيَّة» فرفع عصاه ليضربه وقال له: يا يهودي ما ذاك من هذه المسائل فهرب كعب فتبعه حتى استعاذ بظهر عثمان رضي الله تعالى عنه فلم يرجع حتى ضربه.
وفي رواية أن الضربة وقعت على عثمان، وكثر المعترضون على أبي ذر في دعواه تلك، وكان الناس يقرؤون له آية المواريث ويقولون: لو وجب إنفاق كل المال لم يكن للآية وجه، وكانوا يجتمعون عليه مزدحمين حيث حل مستغربين منه ذلك فاختار العزلة فاستشار عثمان فيها فأشار إليه بالذهاب إلى الربذة فسكن فيها حسبما تريد، وهذا ما يعول عليه في هذه القصة، ورواها الشيعة على وجه جعلوه من مطاعن ذي النورين وغرضهم بذلك إطفاء نوره ويأبى الله إلا أن يتم نوره {مِنَ الناس فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} خبر الموصول، والفاء لما مر غير مرة.
وجوز أن يكون الموصول في محل نصب بفعل يفسره {فَبَشّرْهُم} والتعبير بالبشارة للتهكم. اهـ.